ابن بطوطة
126
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
وقد كان في صدر ما أثار انتباهنا حقا تلك الطّفرات والقفزات التي سجلت على الرجل في بعض المناطق التي كنا نصحبه فيها مرحلة مرحلة . كنا نشعر في بعض الأحيان وكأنه ركب طائرة ليحلّق فيها من محطة إلى أخرى بعيدا عن الأنظار ، وكم بذلنا من جهد حتى نتعرف على خطوط سيره ! ! لقد انشغل عن تعداد المراحل عندما انتقل من بغداد إلى تبريز عاصمة الإيلخان ، ولعل مصاحبته للسلطان أبي سعيد كانت وراء اختفاء شخصيته ، فانشغل بغيره عن نفسه ، وكثيرا ما يحدث هذا ولا ينبّئك مثل خبير ! وكذا كان حاله فيما بين ماردين وبغداد . . . ومن الوثبات المحيّرة التي لم نعرف لها طريقا الوثبة التي كانت له من جنوب الروسيا إلى شمال تركيا . هل وصل صحبة الخاتون عبر الصحراء أو عبر الدانوب ؟ لقد اختفت شخصيته رفقة الأميرة أيضا . ومن ميلاس غربا جنوب الأناضول إلى قونية شرقي شمالها ، ثم من أرز الرّوم شرقا إلى برگي غربا ، لم نستطع تقفي أثاره ، وهو في شرق إفريقيا أيضا ، لم نستطع مصاحبته وهو يتحرك من كلوة إلى ظفار بحرا . « 2 » وفي طريق ابن بطوطة من مكة صحبة الأمير البهلوان عن طريق المدينة حتى يصل للعراق عن طريق حصن فيد - وهو الحائل - انشغل أيضا عن تناول القلم والورق على نحو ما كان منه وهو يرافق ركب السلطان أبي سعيد من بغداد إلى تبريز ، وركب الخاتون إلى القسطنطينية العظمى . وهو في الأردن سلك طريقه من الجيزة إلى بصرى الشام ، وهو طريق غير مسلوك اليوم . ولو أنه سافر على الطريق المألوف لكان عليه أن يجتاز على عمان قصبة البلقاء ، عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية حاليا على ما يؤكده الزميل الأستاذ الدكتور ناصر الدّين الأسد في بحثه المقدم إلى مجمع اللغة العربية بالقاهرة في دورة 1996 . وقد لاحظ زميلنا الراحل السفير خليل اللّه خليلي وهو يتحدث عن ابن بطوطة في أفغانستان طفرة الرحالة من بلخ إلى أن وصل إلى هرات وتساءل أيّ طريق سلكه ؟ هذا علاوة على وثبة بسطام إلى قندوز وبغلان « 3 » . وعندما عبر نهر السند مع علاء الملك إلى العاصمة لاهري من الحدود الشمالية الحالية وفي اتجاه جنوب البلاد ، هناك لم يستوعب المحطات النّهرية التي كان يمر بها . وهو في شرق
--> ( 2 ) تحفة الأعيان II ، 358 ( 3 ) ابن بطوطة في أفغانستان ص 56 - 57 .